منذ فبراير 2026، تتابع الأسواق المالية العالمية عن كثب مجموعتين من البيانات الرئيسية من الجانب الآخر من المحيط الهادئ: تقرير الوظائف الأمريكية غير الزراعية لشهر يناير الذي صدر في 10 فبراير، وتقرير مؤشر أسعار المستهلك (CPI) لشهر يناير الذي صدر في 13 فبراير. لقد أسهم هذان التقريرين بشكل فعّال في تحديد توجه السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي خلال النصف الأول من العام. ورغم أن البيانات تعكس صورة متباينة، إلا أن السوق توصل إلى إجماع نادر: من شبه المؤكد أن يحتفظ الفيدرالي بأسعار الفائدة دون تغيير في اجتماع السياسة النقدية في مارس.
وفقًا لأحدث بيانات أداة CME FedWatch، يرى المتداولون الآن احتمالًا بنسبة 94٪ بأن يبقي الفيدرالي نطاق هدف سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية ثابتًا عند 3.50٪–3.75٪ في مارس.
الوظائف غير الزراعية تتجاوز التوقعات: "مرساة الاستقرار" في سوق العمل
الدافع الرئيسي وراء هذا الإجماع في السوق هو قوة سوق العمل غير المتوقعة. فقد أظهرت بيانات وزارة العمل الأمريكية الصادرة في 10 فبراير أن عدد الوظائف غير الزراعية المعدلة موسميًا ارتفع بمقدار 130,000 وظيفة في يناير، متجاوزًا بشكل كبير توقعات السوق التي تراوحت بين 55,000 و70,000 وظيفة. وفي الوقت ذاته، انخفض معدل البطالة إلى 4.3٪، وهو أدنى مستوى منذ أغسطس 2025.
يكتسب هذا التقرير أهمية خاصة لأنه خفف المخاوف من تباطؤ سريع في الاقتصاد الأمريكي. وعلى الرغم من أن بيانات التوظيف لعام 2025 بأكمله قد تم تعديلها بشكل حاد نحو الانخفاض، مما كشف عن ضعف أساسي في سوق العمل العام الماضي، إلا أن الانتعاش الأقوى من المتوقع في يناير يوضح أن الطلب على التوظيف لدى الشركات لا يزال صامدًا في ظل أسعار الفائدة الحالية.
وقد عززت تصريحات مسؤولي الفيدرالي الأخيرة هذا الرأي. فقد أشارت رئيسة الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، إلى أن سوق العمل كان قد شهد تراجعًا سابقًا، إلا أن آفاق التوظيف بدأت تستقر تدريجيًا. أما رئيسة الفيدرالي في كليفلاند، لوريتا ميستر، فقد ذهبت أبعد من ذلك، مؤكدة أن السياسة النقدية الحالية مناسبة وأن أسعار الفائدة يمكن أن تبقى دون تغيير. وتمنح بيانات التوظيف القوية الفيدرالي مساحة واسعة لـ"الانتظار والترقب". حتى إذا استمر التضخم في التراجع، طالما لم يشهد سوق العمل تدهورًا كبيرًا، فلا توجد حاجة ملحة للفيدرالي لخفض أسعار الفائدة.
تباطؤ مؤشر أسعار المستهلك يؤكد الاتجاه: التضخم يتراجع لكن المخاطر مستمرة
إذا كانت بيانات الوظائف غير الزراعية قد قدمت مبررًا للإبقاء على الوضع الراهن، فإن تقرير مؤشر أسعار المستهلك لشهر يناير الذي صدر في 13 فبراير مهد الطريق لهذا القرار، وعزز عزم الفيدرالي على التريث.
تُظهر البيانات أن مؤشر أسعار المستهلك الأمريكي غير المعدل ارتفع بنسبة 2.4٪ على أساس سنوي في يناير، وهو أقل من توقعات السوق البالغة 2.5٪، ويمثل أدنى مستوى منذ مايو 2025. كما تراجع مؤشر أسعار المستهلك الأساسي إلى 2.5٪، وهو الأدنى منذ مارس 2021. وعلى السطح، يبدو اتجاه التضخم نحو الانخفاض واضحًا. وعلق لورانس ويرثر، كبير الاقتصاديين الأمريكيين في دايوا كابيتال ماركتس، بأن ارتفاع التضخم الرئيسي والأساسي على أساس سنوي قد بلغ الحد الأدنى المطلوب لسياسة نقدية متأنية.
لكن خلف هذا الهدوء الظاهري، لا تزال هناك بعض المخاوف. فالبيانات تكشف أن تضخم الخدمات الأساسية (باستثناء الإسكان)، والذي يُعد محور اهتمام صانعي السياسات، ارتفع بنسبة 0.6٪ على أساس شهري في يناير. وقد يجذب هذا التغير انتباه رؤساء الفيدرالي الإقليميين الذين لا يزالون حذرين من ارتفاع الأسعار. بالإضافة إلى ذلك، مع فرض إدارة ترامب تعريفات جمركية جديدة وتأثيرات الدولار الضعيف في العام الماضي، تستمر ضغوط التضخم المستورد.
بالنسبة للفيدرالي، فإن تقرير مؤشر أسعار المستهلك لشهر يناير "مطمئن لكنه غير كافٍ لإعلان الانتصار". فهو يؤكد أن التضخم يتجه نحو الانخفاض، لكن التفاصيل الكامنة تشير إلى أن ضغوط الأسعار قد تعود. وفي هذا السيناريو "الجيد لكنه غير كافٍ"، يبقى الإبقاء على السياسة الحالية ومواصلة مراقبة التطورات هو الخيار الأكثر حكمة.
لماذا الإجماع في السوق قوي إلى هذا الحد؟
بشكل عام، السبب وراء تحول الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير في مارس إلى إجماع في السوق هو أن البيانات الحالية تمنح الفيدرالي كل المبررات لتمديد "فترة المراقبة".
من جهة، رغم أن التضخم يتراجع، إلا أنه لا يزال فوق الهدف البالغ 2٪، كما أن تضخم الخدمات الأساسية لا يزال عنيدًا. ومن جهة أخرى، أدى استقرار سوق العمل إلى إزالة خطر حدوث هبوط اقتصادي حاد، وبالتالي لا يحتاج الفيدرالي إلى خفض أسعار الفائدة لدعم الوظائف. وكما قالت عضو مجلس الفيدرالي ليزا كوك، تُظهر البيانات الأخيرة أن وتيرة التباطؤ قد "توقفت". يجب على الفيدرالي أن يبقى متأنياً حتى يزداد يقينه بأن التضخم سيعود إلى هدف 2٪.
وفي ظل هذا المشهد الاقتصادي الكلي، وجد سوق العملات الرقمية إيقاعه الخاص. فبحسب بيانات منصة التداول Gate حتى 14 فبراير، أظهر بيتكوين (BTC) مرونة بعد الأخبار الاقتصادية الكلية، ويتداول حالياً عند 68,876.8 دولارًا، ويتحرك ضمن نطاق ضيق بين 68,500 و69,200 دولارًا. ويشير هذا الأداء السعري إلى أن السوق يستوعب توقعات "التأجيل لا الإلغاء" لخفض أسعار الفائدة. وطالما لم يعد الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة بشكل حاد، تبقى البيئة الحالية لأسعار الفائدة ظرفًا خارجيًا مستقرًا نسبيًا للأصول عالية المخاطر.
أما إيثيريوم (ETH)، فيظهر أيضًا ارتباطًا قويًا مع بيتكوين، ويتداول حاليًا حول 2,048.94 دولارًا، وينتظر بدوره المزيد من الإشارات الاقتصادية الكلية.
الخلاصة
في ربيع 2026، يبدو الفيدرالي متزنًا بشكل خاص في قراراته المتعلقة بأسعار الفائدة. إذ إن قوة بيانات الوظائف غير الزراعية في يناير وتراجع مؤشر أسعار المستهلك معًا يشكلان شبكة أمان، تسمح للفيدرالي بالإبقاء على سياسته بثقة في مارس ومواصلة مراقبة آثار السياسة المالية والتغيرات الاقتصادية العالمية. بالنسبة للمتداولين، سواء في الأسواق التقليدية أو العملات الرقمية، قد تكون الفترة التي تسبق اجتماع لجنة السوق المفتوحة في مارس هي اللحظة الحاسمة لإعادة تقييم توزيع الأصول وانتظار ظهور اتجاهات أوضح بصبر.


