

أطلقت تقنية البلوكتشين إمكانات غير مسبوقة على صعيد اللامركزية والشفافية والأمن. لكنها تواجه تحديًا رئيسيًا يتمثل في قابلية التوسع. وتُعد قابلية التوسع أحد أضلاع "معضلة البلوكتشين" إلى جانب الأمان واللامركزية، ولا يزال التوفيق بين هذه العناصر الثلاثة معًا تحديًا مستمرًا. وهنا تبرز حلول استراتيجية مثل "التجزئة" (Sharding).
تُقسّم التجزئة شبكة البلوكتشين إلى "شظايا" (أجزاء) أصغر لمعالجة تحديات قابلية التوسع في شبكات الطبقة الأولى. وتساهم في رفع سرعة المعاملات، وخفض تكاليف المعالجة والتخزين، وتعزيز الأداء العام للشبكة. لكنها في المقابل تفرض بعض المخاطر، مثل التحديات الأمنية وتعقيد تنفيذ المعاملات بين الشظايا.
تعود أصول التجزئة إلى مجال إدارة قواعد البيانات التقليدية، حيث تعني تقسيم قاعدة البيانات إلى أجزاء أصغر وأكثر قابلية للإدارة تُسمى الشظايا (Shards). ويستهدف تطبيقها في البلوكتشين تحسين قابلية التوسع مع الحفاظ على مبدأ اللامركزية. بعبارة مبسطة، تحدث التجزئة عندما تُقسّم شبكة البلوكتشين إلى شظايا أصغر، بحيث تعالج كل شظية المعاملات والعقود الذكية بشكل متوازٍ.
يُحدث هذا الأسلوب تحولًا جوهريًا في عمل شبكات البلوكتشين، إذ يتيح معالجة حجم هائل من المعاملات دون التضحية بالأمان أو اللامركزية.
لفهم تنفيذ التجزئة في شبكة البلوكتشين، ينبغي أولًا معرفة كيفية تخزين ومعالجة بيانات البلوكتشين. هناك عدة أساليب لمعالجة البيانات. لنستعرض المعالجة التسلسلية والمعالجة المتوازية.
عادةً، تعالج كل عقدة في البلوكتشين جميع معاملات الشبكة. يُعرف هذا النهج بالمعالجة التسلسلية، حيث يتوجب على كل عقدة الاحتفاظ بكافة البيانات الحيوية مثل أرصدة الحسابات وسجل المعاملات وتخزينها. أي أن كل عقدة تعالج كل العمليات والبيانات والمعاملات على الشبكة.
رغم أن هذا يعزز أمان البلوكتشين بتسجيل جميع المعاملات على جميع العقد، إلا أنه يبطئ سرعة معالجة البيانات بشكل كبير. هنا تأتي المعالجة المتوازية، التي تسمح بتنفيذ عمليات متعددة في آن واحد.
تقدم التجزئة حلاً فعّالًا لهذه المعضلة، عبر تقسيم عبء المعاملات وتوزيعه على الشبكة. فلا يلزم كل عقدة إدارة أو معالجة كامل بيانات البلوكتشين.
تعتمد التجزئة على التقسيم الأفقي، حيث تُجزأ البيانات إلى مجموعات أفقية، بحيث تعمل كل شظية كقاعدة بيانات مستقلة قادرة على معالجة المعاملات منفردة.
التجزئة الأفقية والرأسية هما مقاربتان أساسيتان لتوسعة قواعد البيانات. رغم أن كليهما يهدف لتسهيل إدارة البيانات الضخمة، إلا أن آلية عملهما مختلفة تمامًا. وتُعد التجزئة أسلوبًا شائعًا لتطبيق التقسيم الأفقي.
في التقسيم الأفقي، تُوزع البيانات حسب الصفوف عبر قواعد بيانات أو عقد مختلفة، بحيث يحتوي كل منها على جزء من البيانات. ونظرًا لكون كل صف كيانًا فريدًا، فإن الفصل لا يؤثر على سلامة البيانات. من الأمثلة البارزة على التقسيم الأفقي شبكات بلوكتشين مثل Ethereum وBitcoin.
أما التقسيم الرأسي، فيعتمد على توزيع البيانات حسب الأعمدة. في هذا السيناريو، يحتوي كل قسم على مجموعة من البيانات لكل كيان أو جميع السمات لمجموعة محددة فقط. على سبيل المثال، إذا كان لدينا جدول عملاء بأعمدة الاسم والحالة والوصف والصورة، فقد تُخزن أعمدة الاسم والحالة في جدول، بينما تُخزن الوصف والصورة في جدول آخر.
تُعتمد التجزئة الأفقية في شبكات البلوكتشين غالبًا لأسباب تتعلق بقابلية التوسع، واللامركزية، والأمن.
قابلية التوسع: تقسّم التجزئة البيانات إلى شظايا أصغر وأكثر قابلية للإدارة، وتعمل كل شظية بشكل مستقل، ما يسمح بتنفيذ معاملات متزامنة وبالتالي رفع سرعة الشبكة وكفاءتها. أما التجزئة الرأسية، التي توزع الأعمدة بين قواعد بيانات، فقد تزيد التعقيد عند استرجاع معلومات المعاملة أو الكتلة الكاملة وتحد من قابلية التوسع.
اللامركزية: تدعم التجزئة الأفقية جوهر اللامركزية في البلوكتشين؛ إذ تعالج كل عقدة جزءًا فقط من البيانات (شظية واحدة)، مما يمكن عددًا أكبر من العقد من المشاركة ويقلل أعباء المعالجة والتخزين. أما في التجزئة الرأسية، فستحتاج كل عقدة للوصول إلى جميع الأعمدة للتحقق الكامل من بيانات الكتلة.
أمن وسلامة البيانات: تضمن التجزئة الأفقية سلامة البيانات، حيث تحتوي كل شظية على بيانات معاملات كاملة، ما يمنح كل عقدة نسخة دقيقة وكاملة من حصتها من البلوكتشين. في المقابل، يؤدي تقسيم البيانات رأسيًا إلى توزيع بيانات الكتلة على العقد، ما يصعّب تحقيق السلامة والأمان الضروريين لشبكات البلوكتشين.
فيما يلي أبرز فوائد التجزئة لتقنية البلوكتشين:
زيادة سرعة المعاملات: تتيح التجزئة معالجة المعاملات بالتوازي، فبدلًا من المعالجة الفردية التسلسلية، تُعالج المعاملات في الوقت ذاته عبر شظايا منفصلة. وبهذا تزداد سرعة معالجة المعاملات كثيرًا، ما يسمح للشبكة بخدمة أعداد أكبر من المستخدمين ويعزز انتشار التقنية.
Zilliqa مثال على شبكة بلوكتشين توظف الشظايا لرفع قابلية التوسع، حيث يمكّنها ذلك من تنفيذ آلاف المعاملات في الثانية.
خفض تكاليف المعالجة والتخزين: في النموذج التقليدي يُطلب من كل عقدة تخزين جميع المعاملات، مما يرفع متطلبات الأجهزة مع اتساع البلوكتشين. أما مع التجزئة، فتعالج وتخزن كل عقدة جزءًا فقط من بيانات الشبكة، ما يقلل الموارد اللازمة للمشاركة.
يسمح ذلك بمشاركة عدد أكبر من المدققين، ويعزز اللامركزية دون تكاليف باهظة، ويمنع اقتصار الشبكة على من يمتلكون موارد حسابية مكلفة، مما يحافظ على الطابع الديمقراطي للبلوكتشين.
تحسين أداء الشبكة: تساعد التجزئة في رفع أداء الشبكة وقدرتها. في البلوكتشين التقليدي، يتراجع الأداء مع زيادة عدد العقد بسبب متطلبات التزامن والتواصل. أما مع التجزئة فكل شظية تعمل باستقلالية في الوقت ذاته، ويصبح بالإمكان معالجة عدد أكبر من المعاملات والعمليات الحسابية. وعند انضمام عقدة جديدة، يمكن إضافتها إلى شظية محددة، ما يرفع قدرة الشبكة على التوسع ويعزز الكفاءة وتجربة المستخدم.
جدير بالذكر أن تحسينات التجزئة مستقبلًا قد تضيف مزايا جديدة أو تعزز القائمة، مما يطور منظومة البلوكتشين باستمرار.
رغم أن التجزئة تقدم مكاسب مهمة لكفاءة الشبكات، إلا أن هناك تحديات وعيوبًا تواجهها، من أبرزها:
هجمات الاستحواذ على شظية: في بيئة التجزئة، تكون القدرة الحسابية اللازمة للسيطرة على شظية واحدة أقل بكثير من تلك المطلوبة للسيطرة على الشبكة ككل، وهو ما يعرض الشظايا لهجمات "الاستحواذ الجزئي" حيث يتمكن مهاجم بموارد محدودة من التحكم في شظية منفردة.
المعاملات بين الشظايا: المعاملات العابرة للشظايا معقدة وقد تؤدي إلى الإنفاق المزدوج إذا لم تدار بعناية، إذ قد يستغل المستخدمون حالات عدم التتبع بين الشظايا لتكرار الإنفاق.
توفر البيانات: تجعل التجزئة الحفاظ على الحالة الكاملة للشبكة أمرًا معقدًا، فإذا أصبحت بعض الشظايا غير متاحة (بسبب توقف عقدها)، قد يحدث تعطل في توفر البيانات يؤثر على الشبكة.
أمن الشبكة: تستلزم التجزئة بروتوكولات قوية لضمان توازن الحمل بين الشظايا، وأي خلل في ذلك قد يؤدي إلى توزيع غير عادل للبيانات وخلل في الموارد وعدم استقرار الشبكة.
تزامن العقد: يتطلب تزامن العقد وقتًا لمشاركة وتحديث البيانات عبر الشبكة، وإذا واجهت عقدة ذات قدرة معالجة ضعيفة أو اتصال بطيء تأخرًا، فقد تتباطأ عملية التزامن وتقل كفاءة الشبكة بالكامل.
تعتزم Ethereum تنفيذ التجزئة ضمن ترقية Ethereum 2.0، المعروفة أيضًا بـ Eth2 أو Serenity، والتي تهدف إلى رفع السرعة والكفاءة وقابلية التوسع للشبكة، بما يمكّنها من معالجة المزيد من المعاملات وتقليل الازدحام.
تجري عملية التنفيذ على مراحل، وتشمل المرحلة النهائية التطبيق الكامل للتجزئة. ويأمل مطورو Ethereum أن تساهم هذه التحديثات في معالجة تحديات التوسع وتكاليف المعاملات الراهنة.
لكن تجدر الإشارة إلى أن تطبيق التجزئة يفرض تحديات خاصة في الحفاظ على أمان الشبكة ولامركزيتها، ولهذا يتبع المطورون نهجًا حذرًا مع اختبارات مكثفة لضمان نجاح الترقية عند تطبيقها الكامل.
تُعد التجزئة تقدمًا محوريًا في حل معضلة البلوكتشين. ورغم ما تفرضه من تعقيدات وسلبيات محتملة، فإن قدرتها على رفع قابلية التوسع دون المساس باللامركزية تمنح مستقبل الشبكات الكثير من الوعود.
ولهذا ليس مستغربًا أن العديد من شبكات البلوكتشين تدرس التجزئة كحل، وتعمل Ethereum على دمجها ضمن Ethereum 2.0 لمعالجة قضايا التوسع، حيث يُنتظر تنفيذها عبر ترقيات بروتوكول متعددة تمثل جزءًا أساسيًا من خطة التحسين. وكأي تقنية متطورة، يتوقف النجاح على البحث والتطوير المستمرين والاختبار الدقيق لتطبيقات التجزئة.
تعمل التجزئة على تقسيم شبكة البلوكتشين إلى عدة أجزاء لمعالجة المعاملات بالتوازي، ما يعزز السرعة والطاقة الاستيعابية. وتحتاج البلوكتشين إلى التجزئة لمواكبة النمو في حجم المعاملات وتحسين الكفاءة وقابلية التوسع.
تقسم التجزئة شبكات البلوكتشين إلى أقسام متوازية أصغر، ما يتيح معالجة المعاملات بشكل متزامن. وتتحقق كل شظية من معاملاتها فقط، ويقل الحمل الحسابي على كل عقدة، وترتفع السعة وكفاءة الشبكة بشكل ملحوظ.
توزع تجزئة الحالة بيانات الحسابات والعقود عبر الشظايا، وتوزع تجزئة التاريخ سجلات المعاملات التاريخية، أما تجزئة سلسلة Beacon فتستخدم سلسلة تنسيق لإدارة المدققين وآلية الإجماع باختيار المدققين.
تفرض التجزئة تعقيدات وتحديات أمنية خاصة في الاتصال بين الشظايا. ويُضمن الأمان عبر ضوابط وصول مشددة، وبروتوكولات قوية، والتحقق التشفيري، وتوزيع المدققين على الشظايا لمنع الهجمات المستهدفة.
توفر التجزئة قابلية توسع أصلية من خلال معالجة مستقلة على كل شظية مع أمان السلسلة الرئيسية، إلا أن تعقيدها أعلى. حلول الطبقة الثانية أسرع في النشر وأقل تكلفة، لكنها تعتمد على تحقق السلسلة الرئيسية. تمنح التجزئة توسعًا جوهريًا، بينما تتيح الطبقة الثانية سرعة التنفيذ.
اعتمدت Ethereum 2.0 وMultiversX وZilliqa تقنية التجزئة أو تعمل بنشاط على تنفيذها، وهناك مشاريع أخرى تستكشف هذا الحل التوسعي.
تعزز التجزئة أداء البلوكتشين بفضل معالجة المعاملات المتوازية وزيادة السعة وتقليل التأخير، وتحافظ على اللامركزية بتوزيع التحقق على شبكات شظايا متعددة، وترفع تجربة المستخدم عبر تسريع التأكيد وخفض الرسوم.











