البنك المركزي الأوروبي يطلق حملة توظيف تقنية لليورو الرقمي، لتسريع دمج دليل القواعد ونهاية الدفع، مع وضع خطة تجريبية لعام 2027 وإصدار عام 2029، لتعزيز خط الدفاع عن السيادة النقدية.
أطلق البنك المركزي الأوروبي (ECB) رسمياً في 18 مارس جولة جديدة من توظيف الخبراء التقنيين، بهدف تعميق التفاصيل التقنية لدليل قواعد اليورو الرقمي (Digital Euro). على الرغم من أن قرار الإصدار النهائي لا يزال يعتمد على تقدم التشريعات في الاتحاد الأوروبي، إلا أن البنك المركزي الأوروبي بدأ بالفعل في وضع أساسات البنية التحتية.
هذه الحملة تستهدف بشكل رئيسي فريق تطوير دليل القواعد (Rulebook Development Group, RDG) واثنين من فرق العمل التقنية الجديدة: Workstream G5 و Workstream B1. ويعكس هذا الخطوة أن مشروع اليورو الرقمي يتجه من مرحلة التصميم السياسي الأولية نحو مرحلة تنفيذ أكثر تحديداً، مع التركيز على دمج الأنظمة الحالية والتواصل بينها.
بالنسبة لـ Workstream G5، فإن المهمة الأساسية هي وضع معايير تنفيذ أجهزة الصراف الآلي (ATM) ونقاط البيع. ستقوم هذه المجموعة بمراجعة وتطوير مقترحات قواعد تغطي تشغيل ATM، ونقاط البيع، وتقنيات الاتصال، ودمج المدفوعات غير المتصلة (Offline Payment). وأكد البنك المركزي الأوروبي أن المتقدمين يجب أن يمتلكوا خبرة عملية في تقديم أو التوصيل بين أنظمة ATM ونقاط البيع. ويُظهر هذا الاهتمام أن اليورو الرقمي يُنظر إليه كوسيلة تطبيق عملية في بيئة التجزئة، بهدف ضمان سلاسة استخدامه في نقاط الدفع المادية في جميع أنحاء منطقة اليورو.
أما فريق العمل B1، فهو يركز على بناء إطار التوثيق والموافقة. ستكون مهمته تصميم عمليات اختبار وتوثيق صارمة لخطط الدفع والبنية التحتية المرافقة، لضمان أمان وتوحيد معايير مزودي خدمات الدفع (PSP) في منظومة اليورو الرقمي. ويُطلب من خبراء الصناعة تقديم طلباتهم وسيرهم الذاتية قبل 10 أبريل 2026. وأشار البنك المركزي الأوروبي إلى أن الحصول على توصية من أعضاء فريق تطوير دليل القواعد الحاليين قد يعزز عملية التقييم. إن إنشاء هذين الفريقين يعكس التفاعل النشط بين البنك المركزي الأوروبي والصناعة لضمان توافق المعايير التقنية مع السوق.
يُعتبر دليل قواعد اليورو الرقمي بمثابة “المعيار الموحد” الذي ينظم تشغيل العملة في منطقة اليورو، ويهدف إلى منع تفتت سوق المدفوعات الأوروبية. يشمل الدليل المعايير، والإجراءات، ومتطلبات التشغيل، ليكون مرجعاً للمشاركين في السوق. يلعب البنك المركزي الأوروبي حالياً دور المهندس المعماري، حيث يضع الأساسات التشريعية في بروكسل، ويبني في الوقت ذاته البنية التحتية الأساسية لشبكة المدفوعات. وتظل المسودة التقنية الحالية مرنة، مع إمكانية التعديل وفقاً لنتائج التشريعات النهائية في الاتحاد الأوروبي. هذا النهج الذي يسبق التشريع يضمن أن اليورو الرقمي سيكون جاهزاً تقنياً فور صدور الموافقة السياسية.
ولضمان التوافق عبر الحدود، استوعب فريق تطوير الدليل آراء ممثلين عن التجار، ومزودي خدمات الدفع، والمستهلكين. الهدف النهائي هو ضمان أن يعمل اليورو الرقمي بشكل موحد بين البنوك، والشبكات، ومزودي خدمات الدفع المختلفة. هذا المشروع هو أكثر من مجرد بيان سياسي، فهو يمثل ثورة تقنية، خاصة في كيفية إعادة استخدام المعايير الحالية لتقليل التكاليف، وتحقيق الخصوصية في المعاملات غير المتصلة، وغيرها من القضايا الحيوية التي يتطلب حلها خبرة المتقدمين الجدد.
وأكد البنك المركزي الأوروبي أن اليورو الرقمي يُعتبر أداة مكملة للنقد، ويوفر خيار دفع رقمي ذو اعتماد عام من قبل الثقة العامة. ويهدف إعداد دليل القواعد إلى ضمان أن يتمتع اليورو الرقمي بخصائص الشمولية والسهولة التي يتمتع بها النقد التقليدي.
من خلال واجهات تقنية موحدة وعمليات توثيق، يأمل البنك المركزي الأوروبي في إنشاء بيئة دفع متكاملة، بحيث لا يكون اليورو الرقمي مجرد أداة دفع إلكترونية أخرى، بل منتجاً مالياً مبتكراً يمكن أن يندمج بعمق مع البنى التحتية الحالية للمدفوعات في أوروبا.
وفقاً للخطة الحالية، فإن إصدار اليورو الرقمي مرتبط بشكل وثيق بتقدم التشريعات في الاتحاد الأوروبي. إذا تمكنت المؤسسات التشريعية من اعتماد القوانين بحلول 2026، فمن المتوقع أن يدخل اليورو الرقمي مرحلة التجريب في منتصف عام 2027. ستستمر هذه المرحلة لمدة 12 شهراً، حيث ستتم دعوة عدد محدود من التجار، وموظفي نظام اليورو، ومزودي خدمات الدفع المرخصين للمشاركة في اختبارات معاملات صغيرة. والهدف النهائي هو إصدار اليورو الرقمي لأول مرة في عام 2029. ويُظهر هذا الجدول الزمني الطويل أن البنك يتبع نهجاً حذراً ومنهجياً في التطوير.
لتحقيق الاستعداد للتجربة في 2027، حدد البنك المركزي الأوروبي بداية مرحلة التحضير في النصف الأول من 2026. ويُطلب من مزودي خدمات الدفع المهتمين التقديم قبل 14 مايو 2026. وفي الواقع، بدأ البنك في 2024 في استقطاب مزودي مكونات تقنية متنوعة، بما في ذلك أنظمة الاستعلام عن الأسماء، وحلول مكافحة الاحتيال وإدارة المخاطر، وحلول المعاملات غير المتصلة، وحزم تطوير البرمجيات (SDK). وتُعد هذه المناقصات التقنية والتوظيفات المتدرجة جزءاً من مسار تحويل اليورو الرقمي من النظرية إلى الواقع.
ومن الجدير بالذكر أن مستقبل اليورو الرقمي لا يزال بيد البرلمان الأوروبي. وأكد مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي مراراً أن قرار الإصدار النهائي لن يُتخذ إلا بعد إقرار التشريعات رسمياً. وتُعد عمليات التوظيف والاختبارات التقنية حالياً بمثابة استعدادات “جاهزة في أي وقت”، حيث تسرع من وتيرة التنفيذ بعد التشريع، وتوفر مرجعاً تقنياً دقيقاً للنقاش التشريعي، مما يعكس التعاون الوثيق بين السلطات التنفيذية والتشريعية.
بالإضافة إلى تسريع تطوير العملة الرقمية الرسمية، يبدي البنك المركزي الأوروبي يقظة عالية تجاه التحديات من القطاع الخاص. وأكد مراراً أن العملات المستقرة المرتبطة باليورو، إذا تم اعتمادها على نطاق واسع، قد تضعف فعالية السياسة النقدية، وتؤثر على هيكل التمويل للبنوك التقليدية. وتزداد هذه المخاوف في 2026، مع خطة مشروع “Qivalis” الذي تقوده 12 بنكاً أوروبياً رئيسياً، من بينها بنك BBVA الإسباني، وING الهولندي، وBNP باريبا الفرنسي، والذي يهدف إلى إطلاق عملة مستقرة مرتبطة باليورو في النصف الثاني من 2026.
قراءة إضافية
12 بنكاً أوروبياً يشكلون تحالف Qivalis! يخططون لإطلاق عملة مستقرة باليورو في 2026، لمنافسة الدولار
يعكس ظهور مشروع Qivalis رغبة المؤسسات المالية الخاصة في الدفع عبر تقنية البلوكشين والتسوية الفورية. على عكس العملات المستقرة المدعومة بالدولار، تهدف هذه العملات المستقرة باليورو إلى تقديم أداة دفع قائمة على البلوكشين تتوافق مع المعايير الأوروبية، وتقليل الاعتماد على أنظمة الدفع الخارجية. بالنسبة للبنك المركزي الأوروبي، فإن ذلك يمثل معركة دفاعية حول السيادة النقدية.
وفي حال تباطأ تقدم اليورو الرقمي، قد تتفوق العملات المستقرة الخاصة بسرعة أكبر في السوق. لذلك، فإن تسريع صياغة القواعد والمعايير التقنية ليس فقط لإصدار اليورو الرقمي، بل لاستعادة السيطرة على المعايير المالية العامة في أوروبا وسط المنافسة الشرسة في قطاع المدفوعات الرقمية.
على المدى الطويل، يُعد اليورو الرقمي أكثر من مجرد ترقية تقنية للدفع، فهو أداة استراتيجية للحفاظ على استقرار النظام المالي لمنطقة اليورو. وتعد جهود توظيف الخبراء حالياً جزءاً من بناء دفاعات السيادة التقنية. من خلال وضع قواعد موحدة تشمل أجهزة الصراف الآلي، ونقاط البيع، والسيناريوهات غير المتصلة، يسعى البنك إلى بناء جسر بين القطاع المالي التقليدي والتقنيات الناشئة. ومع اقتراب مواعيد رئيسية في 2026، ستدخل هذه المعركة على حق إصدار العملة الرقمية مرحلة حاسمة.