على مدار الأسبوع الماضي، انخفض سعر البيتكوين لفترة وجيزة إلى أقل من 60,000 دولار أمريكي، أي تراجع بأكثر من 50% عن ذروته في أكتوبر 2025 البالغة 126,000 دولار أمريكي. وفي الوقت ذاته، تقلص حجم التداول الفوري في البورصات الكبرى بنحو 30% منذ نهاية عام 2025.
وراء هذا الظاهرة قوة اقتصادية كلية تُعرف بـ "دورة الإنفاق الرأسمالي للذكاء الاصطناعي"، والتي تعيد تشكيل تدفقات رأس المال العالمية وتسبب أزمة سيولة هيكلية في سوق العملات الرقمية.
معضلة السوق: من الذروة إلى النصف، البيتكوين عالق في دوامة السيولة
يشهد سوق العملات الرقمية تغيرات عميقة. أداء البيتكوين في فبراير 2026 يجسد الضغوط الأخيرة على السوق؛ فقد هبط سعره الأسبوع الماضي بنحو 20% في يوم واحد، وسجل خسارة أسبوعية قدرها 8.6%.
بلغت سرعة وحجم هذا التراجع مستويات تاريخية. ففي 5 فبراير، سجل هبوط البيتكوين اليومي قيمة Z-score بلغت -6.05σ، ما يدل على معدل تراجع نادر الحدوث تاريخياً، ويأتي في المرتبة الثانية بعد انهيار كوفيد-19 في عام 2020.
وعلى مدى فترة زمنية أطول، انخفض سعر البيتكوين الآن إلى -2.88σ أقل من متوسطه المتحرك لـ 200 يوم. هذا المستوى من الانحراف لم يحدث خلال العقد الماضي، بل تجاوز حتى انهيار FTX، مما يشير إلى أن السعر ابتعد بشكل كبير عن اتجاهه طويل الأمد.
هجرة رأس المال: كيف أصبح قطاع الذكاء الاصطناعي "الثقب الأسود" للسيولة؟
تكمن جذور المأزق الحالي في هجرة ضخمة لرأس المال العالمي. في الأشهر الأخيرة، استقطبت أسهم التكنولوجيا والأصول المرتبطة بالذكاء الاصطناعي الأموال المتاحة من الأسواق حول العالم.
هذا "امتصاص رأس المال" ليس مجرد تبديل قطاعي بسيط، بل هو آلية اقتصادية كلية أعمق: فقد تحولت دورة الإنفاق الرأسمالي للذكاء الاصطناعي من كونها "مُحقنة للسيولة" إلى "مُستنزفة لها".
في البداية، موّلت شركات التكنولوجيا الكبرى مبادرات الذكاء الاصطناعي من رأس مالها المتاح ("الاحتياطي النقدي")، ووجهت هذه الموارد إلى الاقتصاد الحقيقي، ما أدى إلى تأثير مضاعف رفع أسعار مختلف الأصول عالية المخاطر، بما فيها العملات الرقمية.
لكن مع جفاف رأس المال المتاح، أصبح كل دولار جديد يُستثمر في الذكاء الاصطناعي يُسحب من أصول أخرى مثل البيتكوين أو أسهم التكنولوجيا أو السندات. أصبحت السيولة شحيحة، وبدأت منافسة شرسة على الأموال المحدودة، حيث تحملت الأصول عالية المضاربة مثل البيتكوين العبء الأكبر.
ضغط البيع المستمر: عمليات بيع المؤسسات الأمريكية وتدفقات صناديق الاستثمار المتداولة الخارجة
مع توجه رأس المال نحو الذكاء الاصطناعي، يواجه سوق البيتكوين أيضاً ضغط بيع هيكلي مستمر من الولايات المتحدة. مؤشر رئيسي على ذلك هو استمرار الخصم في علاوة Coinbase، ما يدل على بيع قوي ومتواصل من المشاركين الأمريكيين في السوق.
تؤكد بيانات التدفقات الداخلية خارج التداول من شركة Wintermute لصناعة السوق أن الأطراف الأمريكية كانت البائع الرئيسي في السوق خلال الأسبوع الماضي. ويزداد هذا الاتجاه وضوحاً مع استمرار عمليات الاسترداد الصافي لصناديق البيتكوين المتداولة في الولايات المتحدة.
منذ نوفمبر 2025، تجاوزت التدفقات الخارجة الصافية التراكمية من صناديق البيتكوين المتداولة 620 مليون دولار أمريكي. وفي الأسبوع الماضي وحده، شهدت صناديق البيتكوين المتداولة تدفقات خارجة صافية بنحو 689.2 مليون دولار أمريكي. هذا يخلق حلقة تغذية سلبية: عمليات الاسترداد تجبر الجهات المصدرة على بيع البيتكوين في السوق الفوري، مما يضع ضغطاً إضافياً على الأسعار.
الرافعة المالية والتقلبات: "تقلبات عالية وتداول متذبذب" كواقع جديد في ظل انخفاض حجم التداول
مع تراجع التدفقات الفورية، أصبح آلية اكتشاف الأسعار في السوق مشوهة. انخفاض حجم التداول الفوري مع ارتفاع استخدام المشتقات ذات الرافعة المالية أدى إلى زيادة التقلبات في السوق.
تشير البيانات إلى أن حجم العقود المفتوحة في عقود البيتكوين الآجلة انخفض من ذروته التي تجاوزت 90 مليار دولار أمريكي في أوائل أكتوبر 2025 إلى نحو 49 مليار دولار أمريكي، أي تراجع بأكثر من 45% في الرافعة المالية. ويؤدي هذا التسارع في عملية تقليص الرافعة المالية إلى زيادة حدة تقلبات الأسعار.
يدخل السوق الآن مرحلة "تقلبات عالية واكتشاف أسعار متذبذب". في ظل غياب دعم قوي من الشراء الفوري، يصعب تكوين اتجاهات مستدامة في أي اتجاه، وتصبح الأسعار أكثر عرضة للأوامر الكبيرة وتقلبات المشاعر. وقد وُصف أداء الأسبوع الماضي بأنه "تصفية استسلامية"، ما يبرز هشاشة السوق.
رؤى البيانات: Gate Ventures تكشف الضغوط الهيكلية في السوق
تضيف مراجعة السوق الأخيرة من Gate Ventures، المنشورة في 9 فبراير، بيانات ملموسة إلى الصورة الاقتصادية الكلية.
يؤكد التقرير أن معنويات السوق غاصت في منطقة "الخوف الشديد"، حيث سجل مؤشر الخوف والجشع قراءة بلغت 14 فقط. بالإضافة إلى البيتكوين، تعرض الإيثيريوم أيضاً لضغوط، إذ انخفض بنسبة 7.9% الأسبوع الماضي مع تدفقات خارجة من صناديق الاستثمار المتداولة بلغت 149.1 مليون دولار أمريكي.
ومن اللافت أن إجمالي القيمة السوقية للعملات الرقمية – باستثناء البيتكوين والإيثيريوم – تراجع بنسبة 5.65% الأسبوع الماضي، وهو أقل قليلاً من الانخفاض العام للسوق. قد يشير ذلك إلى أن بعض رأس المال يبحث عن فرص خارج الأصول الرائدة خلال الظروف المتطرفة، أو أن بعض العملات البديلة تظهر مقاومة متمايزة.
نظرة مستقبلية: ما الشروط اللازمة لعودة السوق إلى الوضع الطبيعي؟
متى سيخرج السوق من حالة التقلبات العالية وغياب الاتجاهات؟ وفقاً لعدة مؤسسات، هناك شروط رئيسية يجب تحققها.
أولاً، يجب أن تهدأ موجة التداول المحمومة في الذكاء الاصطناعي. ويُنظر إلى تقرير أرباح مايكروسوفت المخيب مؤخراً كبداية لهذه العملية، لكنه غير كافٍ حتى الآن. فقط عندما تهدأ موجة رأس المال المتجهة نحو الذكاء الاصطناعي ستبدأ ضغوط السيولة بالانحسار.
ثانياً، يحتاج سوق العملات الرقمية نفسه إلى عودة الطلب الفوري. هناك ثلاثة مؤشرات دقيقة يجب مراقبتها: تحول علاوة Coinbase إلى إيجابية، انتقال تدفقات صناديق الاستثمار المتداولة من الخارج إلى الداخل، واستقرار معدلات أساس العقود الآجلة. وحتى ظهور هذه المؤشرات، من غير المرجح أن يشهد السوق زخماً صعودياً مستداماً.
وأخيراً، الوضوح في السياسات الاقتصادية الكلية أمر حاسم. السوق يدرس التأثير المحتمل لسياسة "تقليص الميزانية العمومية" التي قد يتبناها المرشح لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش. وعلى الرغم من أن الظروف لتنفيذها غير ناضجة على المدى القصير، إلا أن التغيير المتوقع في السياسة سيواصل تشكيل توقعات السيولة العالمية.
الخلاصة
حتى 11 فبراير، بقي سعر البيتكوين على Gate محصوراً في صراع حول 67,000 دولار أمريكي. سيكون طريق التعافي الهيكلي طويلاً، لكن كل موجة تقلبات شديدة قد تحمل فرصاً جديدة.
بالنسبة للمتداولين، الأولوية الآن هي التركيز على إدارة المخاطر والتحكم في المراكز، والانتظار بصبر لتحول السوق من الاعتماد على الرافعة المالية إلى الاعتماد على التداول الفوري. وحتى ترتفع السيولة (مستوى الماء في حوض الاستحمام) مجدداً، سيصعب على أسعار الأصول (البطة المطاطية) أن تطفو بثبات.


