في الساعة المحلية من يوم 12 نوفمبر، صوت مجلس النواب الأمريكي لصالح تمرير مشروع قانون تمويل اتحادي مؤقت، تم توقيعه لاحقًا ليصبح قانونًا من قبل الرئيس ترامب، منهياً بذلك أطول إغلاق حكومي في تاريخ الولايات المتحدة بعد 43 يومًا.
لقد أدى الجمود السياسي الذي بدأ في الأول من أكتوبر إلى تعطيل حياة ملايين الموظفين الفيدراليين، كما ترك أثراً عميقاً على الاقتصاد الأمريكي.
ومع إعادة فتح الحكومة، سيعود الموظفون الفيدراليون إلى أعمالهم وسيحصلون على رواتبهم المتأخرة. ومع ذلك، فإن التداعيات على سبل العيش والاقتصاد والأسواق المالية لا تزال في بدايتها.
01 إقرار التشريع: إعادة فتح الحكومة وتخفيف الأزمة
بعد انتظار دام 43 يومًا، وجدت الحكومة الفيدرالية الأمريكية أخيرًا طريقًا لإعادة الفتح. ففي مساء 12 نوفمبر، أقر مجلس النواب رسميًا مشروع قانون التمويل المؤقت، ثم وقعه الرئيس ترامب ليصبح قانونًا.
يوفر هذا القانون التمويل لمعظم الوكالات الفيدرالية حتى 30 يناير 2026، بينما ستحصل وزارة شؤون المحاربين القدامى ووزارة الزراعة والوكالات التشريعية على التمويل حتى سبتمبر.
وأعلنت البيت الأبيض أن الرئيس ترامب وقع القانون مساء اليوم الثاني عشر، مما سمح للحكومة باستئناف عملياتها بالكامل.
ويعني هذا التطور أن أكثر من مليون موظف فيدرالي، بمن فيهم أولئك الذين تم تسريحهم مؤقتًا أو أجبروا على العمل دون أجر، سيحصلون على رواتبهم المتأخرة.
02 تحديات المعيشة: جراح اجتماعية باقية
لقد ترك هذا الإغلاق القياسي جراحًا عميقة في المجتمع الأمريكي. فقد واجه برنامج "المساعدات الغذائية التكميلية" (SNAP)، الذي يخدم 42 مليون أمريكي، تأخيرات في التوزيع، مما دفع العديد من الأسر ذات الدخل المنخفض إلى مواجهة صعوبات كبيرة.
وقد أظهر مقطع فيديو متداول على وسائل التواصل الاجتماعي أمًا تدعى آشلي وهي تنهار بالبكاء خوفًا من احتمال عدم توزيع المساعدات الغذائية في نوفمبر: "يتم استخدامنا كورقة مساومة، وهذا أمر مقزز."
ولم يقتصر التأثير على الفئات منخفضة الدخل فقط، بل تأخر صرف رواتب العديد من الموظفين الفيدراليين، واضطر بعضهم إلى الاعتماد على بنوك الطعام للحصول على المواد الغذائية المجانية.
وأعربت إبريل، وهي موظفة في دائرة الإيرادات الداخلية (IRS)، عن قلقها بشأن ما إذا كانت قسائم الطعام ستوزع في الوقت المحدد، قائلة: "إذا تأخرت، سأضطر لإنفاق المزيد في محل البقالة، وقد يعني ذلك تقليص شيء يحتاجه أطفالي."
03 أزمة الطيران: فوضى الرحلات وخسائر اقتصادية
كان تأثير الإغلاق على صناعة الطيران واضحًا بشكل خاص. فقد اضطر مراقبو الحركة الجوية للعمل دون أجر، ومع زيادة حالات الغياب، حدث نقص في الموظفين في جميع أنحاء القطاع.
ولتخفيف الضغط وتقليل مخاطر السلامة الجوية، قررت إدارة الطيران الفيدرالية تقليص عدد الرحلات في 40 مطارًا رئيسيًا في الولايات المتحدة بدءًا من 7 نوفمبر، مع زيادة التخفيضات إلى 10% بحلول اليوم الرابع عشر.
وبعد تنفيذ السياسة، ارتفع عدد الرحلات الملغاة يوميًا بشكل كبير. ففي يوم 9 نوفمبر وحده، تم إلغاء أكثر من 2,800 رحلة وتأخر أكثر من 10,000 رحلة.
وبحسب جمعية شركات الطيران الأمريكية، فقد تأثر نحو 5.2 مليون راكب منذ بدء الإغلاق في الأول من أكتوبر. وعندما وصلت نسبة تخفيض الرحلات إلى 10%، قدرت الخسائر الاقتصادية اليومية في الولايات المتحدة بين 285 مليون دولار و580 مليون دولار.
04 الأثر الاقتصادي: فجوات في البيانات وتباطؤ النمو
تجاوز تأثير الإغلاق الاقتصادي التوقعات بكثير. فقد قدرت لجنة الميزانية في الكونغرس أن الإغلاق الذي استمر ستة أسابيع تسبب بخسائر اقتصادية تقارب 11 مليار دولار، وتوقعت أن ينخفض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي السنوي في الولايات المتحدة للربع الرابع بنسبة تتراوح بين نقطة ونقطتين مئويتين.
والأكثر إثارة للقلق أن بعض البيانات الاقتصادية قد لا تُستعاد أبدًا. فقد أشار كيفن هاسيت، مستشار البيت الأبيض الاقتصادي، إلى أن "بعض الاستبيانات لم تُنجز مطلقًا، لذا قد لا نعرف أبدًا ما حدث في ذلك الشهر."
وأضاف: "حتى تعود وكالات البيانات للعمل بكامل طاقتها، سنظل في فترة من عدم اليقين."
كما تضررت ثقة المستهلكين. فقد أظهر استطلاع جامعة ميشيغان أن مؤشر ثقة المستهلكين الأمريكيين انخفض إلى 50.3 في نوفمبر، وهو أدنى مستوى منذ يونيو 2022.
وقال 62% من المشاركين إنهم قلصوا الإنفاق غير الضروري بسبب الإغلاق، فيما أجل 38% منهم عمليات شراء كبيرة مثل السيارات والمنازل، مما أدى إلى سلسلة من "انكماش الاستهلاك—تراجع أرباح الشركات".
05 الجمود السياسي: الأسباب الجذرية لم تُحل والأزمة مستمرة
تعود الإغلاقات المتكررة للحكومة الفيدرالية إلى سياسة "الفيتو الحزبي". إذ لا تزال هناك انقسامات حادة بين الحزبين حول العديد من القضايا، مما يجعل التوصل إلى تسوية أمرًا بالغ الصعوبة.
وقد تمحور الخلاف الأساسي في هذا الإغلاق حول الدعم المقدم بموجب قانون الرعاية الصحية الميسرة. فقد أصر الديمقراطيون على تمديد الدعم، بينما رفض الجمهوريون ذلك.
ورغم أن زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، اتهم العملية بتحويل "الأطفال وكبار السن والعائلات العاملة إلى بيادق في سيرك سياسي"، إلا أن المواجهة انتهت في نهاية المطاف على حساب الأمريكيين العاديين.
ومن المهم الإشارة إلى أن مشروع قانون التمويل المؤقت يمنح الحكومة الفيدرالية فترة قصيرة فقط. فبحسب التقليد، يجب على الكونغرس تمرير 12 مشروع قانون اعتمادات سنويًا، لكن هذا الإجراء يغطي ثلاثة فقط، تاركًا تسعة مشاريع لم تُحل بعد.
وخلال فترة سريان القانون المؤقت، سيواصل الحزبان التفاوض حول مشاريع الاعتمادات السنوية. وهذا يعني أنه خلال ما يزيد قليلاً عن شهرين، قد تواجه الحكومة الفيدرالية الأمريكية أزمة إغلاق جديدة.
06 رد فعل السوق: تباين في الأسهم الأمريكية وقطاع المال يقود المكاسب
بينما استعد المستثمرون لانتهاء الإغلاق، أظهر سوق الأسهم الأمريكي تباينًا واضحًا. ففي 12 نوفمبر، أغلقت المؤشرات الثلاثة الرئيسية على أداء متباين، حيث سجل مؤشر داو جونز أعلى مستوى له لليوم الثاني على التوالي.
عند الإغلاق، ارتفع مؤشر داو جونز بمقدار 326.86 نقطة (0.68%) ليصل إلى 48,254.82؛ وانخفض مؤشر ناسداك بمقدار 61.84 نقطة (0.26%) ليصل إلى 23,406.46؛ وأضاف مؤشر ستاندرد آند بورز 500 (S&P 500) 4.31 نقطة (0.06%) ليصل إلى 6,850.92.
وقد ارتفعت أسهم القطاع المالي الرئيسية، مما يعكس تفاؤل المستثمرين بإعادة فتح الحكومة. وساهمت شركات مثل غولدمان ساكس وجي بي مورغان تشيس وأمريكان إكسبرس في أداء داو جونز القوي، حيث سجلت جميعها أعلى مستوياتها التاريخية في ذلك اليوم.
وبعيدًا عن القطاع المالي، استمرت تداولات الذكاء الاصطناعي في التقلب هذا الشهر، حيث ظل المستثمرون قلقين بشأن التقييمات المرتفعة لأسهم التكنولوجيا بعد ارتفاعها الأخير.
التوقعات
لقد أعيد فتح الحكومة، لكن الجراح لا تزال غائرة. قد يحصل أكثر من مليون موظف فيدرالي على رواتبهم المتأخرة، لكن الرحلات الملغاة لن تُعاد جدولتها، والحجوزات الفائتة في المطاعم لا يمكن استرجاعها، وستظل الأسر ذات الدخل المنخفض تعاني من الضغوط لأشهر قادمة.
وعندما ينتهي مشروع قانون التمويل المؤقت في 30 يناير 2026، هل ستعيد واشنطن تكرار هذا المشهد السياسي؟ الجواب يكمن في جذور الصراع الحزبي التي لم تُحل بعد.


