أعلن ديميس هاسابيس، الرئيس التنفيذي لشركة Google DeepMind، في يوليو على حسابه الشخصي في Substack، عن بيان إطار عمل يدعو إلى إنشاء هيئة رقابية دولية مستقلة عن الحكومات والشركات، على غرار نموذج هيئة تنظيم الصناعة المالية الأمريكية FINRA، وذلك من خلال مطالبة جميع نماذج الذكاء الاصطناعي التي تصل إلى عتبة متقدمة بالخضوع لمراجعة قسرية لمدة تصل إلى 30 يومًا قبل طرحها للنشر.
التصميم الجوهري لبيان هاسابيس
اختار هاسابيس FINRA كمرجع: وهي هيئة ذاتية التنظيم تمولها جهات من داخل الصناعة، وتعمل باستقلال، وتخضع لإشراف لجنة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية SEC. تتولى الهيئة تدقيق مدى التزام المؤسسات المالية بالقواعد، وتمتلك صلاحيات الإنفاذ بما في ذلك فرض الغرامات وقرارات الإيقاف. ويريد تطبيق المنطق ذاته على تنظيم الذكاء الاصطناعي، بحيث تُموَّل من الصناعة لكن تُمنح صلاحية اتخاذ القرار لشخصيات مستقلة لا تتبع لأي شركة.
وتتمثل المواصفات الرئيسية لهيئة الرقابة هذه فيما يلي:
تكوين مجلس الإدارة: غالبية المقاعد تُحجز لخبراء تقنيين مستقلين بمستوى جائزة تورنغ، مع توزيع مقاعد أخرى على ممثلي الصناعة والحكومة ومجتمع المصادر المفتوحة
مصدر التمويل: كل التمويل يأتي من مختبرات ذكاء اصطناعي ربحية في القمة
نطاق المراجعة: جميع النماذج التي تصل إلى عتبة متقدمة، سواء كانت مفتوحة المصدر أو مغلقة المصدر، وسواء كانت المقرات الرئيسية للشركات في أي مكان
مدة المراجعة: حتى 30 يومًا، على أن يتم تحديث العتبة نفسها بصورة دورية مع تطور قدرات النماذج
آلية التوسّع: يمكن رفع شدة المراجعة تبعًا لمدى خطورة الظروف، وفي أشد الحالات يمكن تنسيق جهود كبريات المختبرات لتبطئ وتيرة البحث والتطوير معًا
الجدول الزمني المستهدف: يأمل هاسابيس أن تبدأ الهيئة تشغيلها في أسرع وقت ممكن قبل نهاية 2026
شرارة الإعلان المبكر
لطالما راود هاسابيس فكرة هذا الإطار لعدة أشهر، لكن السبب الحقيقي الذي دفعه إلى نشره مبكرًا هو نموذج Mythos من شركة Anthropic، الذي تم إطلاقه بنسخة محدودة في أبريل 2026. بعد ظهور النموذج، أظهر قدرات على الدفاع والهجوم في أمن الشبكات تفوق التوقعات بكثير، ما أثار في أوساط الصناعة ودوائر السياسة مخاوف من «حقبة جديدة من الجرائم الإلكترونية التي يقودها الذكاء الاصطناعي». وقد صنّفه هاسابيس مباشرة على أنه «جرس إنذار»، مؤكدًا أنه لا يمكن الانتظار أكثر حتى تلحق أنظمة الرقابة المتأخرة الركب.
كما ذكر هاسابيس في مقابلة أنه توجد مخاطر على المدى الأطول تتعلق بالأمن الحيوي، تتمثل في استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي للمساعدة في تصميم مسببات الأمراض أو الأسلحة البيولوجية والكيميائية وغيرها من التهديدات لصحة العامة؛ وقال: «إن النماذج الحالية ليست قوية إلى ذلك الحد بعد، لكن إذا استمر مسار التقدم الحالي، فقد تظهر مثل هذه القدرات خلال بضع سنوات».
وفي الوقت ذاته، أجّلت كل من Anthropic وOpenAI إطلاق أحدث منتجاتها على نطاق واسع تحت ضغط إدارة ترمب، وهو ما ساعد على بدء مفاوضات بين الاتحاد الأوروبي وحكومات الولايات المتحدة بشأن صلاحيات الوصول إلى النماذج؛ كما التقى عدد من الرؤساء التنفيذيين لشركات الذكاء الاصطناعي مع قادة دول خلال قمة مجموعة السبع في فرنسا لمناقشة هذا الملف.
مواقف Altman وMusk وAmodei
قبل الإعلان العلني عن الإطار، كان هاسابيس قد أطلع مسودته سلفًا بشكل خاص على معظم مختبرات الذكاء الاصطناعي الرئيسية تقريبًا، بما في ذلك داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic. وبعد الإعلان العلني، وصف سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـ OpenAI، هذا التصور بأنه «مدروس بشكل جيد»، بينما قال إيلون ماسك، الذي تتعارض مواقفه عادةً مع ألتمان، إنه «نقطة انطلاق جيدة للنقاش»، وهي من المرات النادرة التي يقف فيها الرجلان على أرضية واحدة.
وقد كان أمودي قد اقترح قبل ذلك بقليل إنشاء هيئة متخصصة للرقابة على الذكاء الاصطناعي على غرار هيئة الطيران الاتحادية FAA في الولايات المتحدة، كما اقترح ألتمان مبادرة رقابة دولية مماثلة؛ وذكر هاسابيس، في مقابلة مع Bloomberg: «أعتقد أن هذا متوافق للغاية مع الأفكار التي ظل داريو وسام يطرحانها لفترة طويلة، لكننا نحتاج إلى خطة محددة، وليس مجرد مفهوم تجريدي».
تحديات التطبيق: فراغ تشريعي أمريكي، تذبذب موقف حكومة ترمب، وتباين مسارات الرقابة بين الأطراف الثلاثة
أشار أحد قادة قطاع الذكاء الاصطناعي، فضل عدم ذكر اسمه، إلى أنه حتى لو تحقق توافق داخل الصناعة، فإن ذلك وحده لا يكفي، إذ تتمثل المشكلة الحقيقية في المستوى السياسي: فحتى الآن لم يُقرّ الكونغرس الأمريكي أي تشريع فيدرالي للذكاء الاصطناعي ذا معنى؛ كما تتأرجح مواقف إدارة ترمب تجاه الذكاء الاصطناعي بين الإهمال والتدخل؛ كذلك فإن مسارات الرقابة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين غالبًا ما تسير في اتجاهات مختلفة.
ويتوقع هاسابيس أن يسافر شخصيًا إلى واشنطن الأسبوع المقبل للتباحث مباشرة مع صناع السياسات في الولايات المتحدة؛ وقال إنه يتفهم بتفاؤل أن الزخم الحالي قد يكون كافيًا لدفع هذا الملف إلى خط النهاية الحقيقي، لكنه يدرك أيضًا: «ما يلزم في المرحلة المقبلة هو إيجاد طريقة لتنفيذ الأمر فعليًا، وليس مجرد نشر مقال في مدونة».
الأسئلة الشائعة
ما أوجه التشابه بين هيئة الرقابة على الذكاء الاصطناعي التي يقترحها هاسابيس و FINRA؟
تُعد FINRA هيئة تنظيم ذاتي تمولها شركات وساطة الأوراق المالية الأمريكية، وتعمل بشكل مستقل، وتخضع لإشراف SEC، وتضطلع بمهمة تدقيق مدى التزام المؤسسات المالية بالأنظمة وتملك قدرات إنفاذ. ويتبنى اقتراح هاسابيس المنطق نفسه: تمويل من مختبرات ذكاء اصطناعي ربحية، واتخاذ القرار بقيادة خبراء تقنيين مستقلين، دون تبعية لأي حكومة أو شركة، مع إجراء مراجعات قسرية إلزامية للنماذج المتقدمة قبل إصدارها.
لماذا يُنظر إلى نموذج Mythos من Anthropic بوصفه شرارة إطلاق الاقتراح؟
بعد إطلاق نموذج Mythos لدى Anthropic في أبريل 2026، ظهر بقدرات على الدفاع والهجوم في أمن الشبكات تفوق التوقعات بكثير، ما أثار لدى الصناعة وأوساط السياسة مخاوف من «جرائم إلكترونية تقودها أنظمة الذكاء الاصطناعي». وقد صنّفه هاسابيس على أنه «جرس إنذار»، موضحًا أن هذا الحدث دفعه إلى الإعلان مبكرًا عن إطار الرقابة الذي كان يتهيأ له لأشهر، بدلًا من الاستمرار في الانتظار.
متى قد تبدأ هذه الهيئة الرقابية الدولية للذكاء الاصطناعي العمل؟
يقول هاسابيس إنه يأمل أن تبدأ الهيئة عملها في أقرب وقت ممكن قبل نهاية 2026، لكن هذا الجدول يواجه عوائق سياسية كبيرة: فلم يُقرّ الكونغرس الأمريكي حتى الآن أي تشريع فيدرالي للذكاء الاصطناعي، كما أن موقف حكومة ترمب غير مستقر، وتوجد فروق في مسارات الرقابة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين؛ وبحسب هاسابيس، فإن زيارة واشنطن الأسبوع المقبل تمثل المحطة التالية للتقدم الفعلي، وسيكون الموعد الرسمي وفقًا للإعلانات الرسمية.